محمد ابو زهره
630
خاتم النبيين ( ص )
عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ، وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ ، يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا ، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ ، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ، وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( آل عمران - 152 : 155 ) . ونرى في هذه الآيات الكريمات وصفا دقيقا للمعركة ، ووصفا للنفوس بينه العالم بما في الصدور . ونرى الآيات تبين ابتداء المعركة ، وقد كان فيها جيش الإيمان يحس الشرك بأن يصيب حسه ، وإصابة الحس قتل الأنفس . وإزالة عنصر الحياة فيها ، بإزالة الحس الذي هو مظهر . ويجيء من بعد ذلك الخلاف حول الغنائم ، بسبب التردد بين أخذها وبين تركها ، وفي الأولى عصيان القائد الأعظم ، وفي الثانية عصيان النفس ، وطاعة القائد هو أولى بها ، وإن كل تنازع عجز ، ولذا بين القرآن الكريم أن ذلك فشل ذريع ، ثم غلب بعد ذلك العصيان . وانبثق في هذا الخلاف ما تكن النفوس ، فكان منها من يريد الدنيا ، وهم الذين تبعوا الغنائم ، وأخلوا بالصفوف ، وصرف اللّه تعالى جيشه الذي كان موحدا في الظاهر ، لتكون تلك الجراح ، والمقتلة التي أصابت المسلمين . وصور اللّه تعالى المعركة في انتصارها وكبوتها ، إذ هم يصعدون ، والرسول عليه الصلاة والسلام يدعوهم في أخراهم . ثم من بعد ذلك كانت الحسرة ، فلم ينالوا مالا ، ولم يحافظوا نفسا ، وأصابهم غم شديد ، بل أصابهم غمان . غم بسبب ضياع الأنفس وضياع المال إذ تعجلوا قبل ميقاته ، وغم إذ نالهم ، وأحسوا بما كان منهم ، فلا يحزنون على مال فاتهم ، ولا جروح أصابتهم ، إنما هو الغم والغم إنزال غمة بالنفس ، تكون منها في ظلام لا يرى ما وراءه ، ويصيب النفس بالإعياء المرهق كدا وحسرة . وإن ذلك كان عاما لمن كان يريد الدنيا ، ومن كان يريد ما عند اللّه ، وقد خص الذين يريدون ما عند اللّه تعالى بعد الغم المتوالى ، غما بعد غم ، كان الاطمئنان والرضا بما كان مستفيدين من العبر ، وكان مظهر هذا الاطمئنان النعاس الذي لا يكون إلا من قرار نفس ، واطمئنان حاضر ، ورضا بما قدر اللّه تعالى ،